محمد هادي معرفة
196
التمهيد في علوم القرآن
قال ابن عباس : كان رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته ، فكان المشركون يطردون الناس عنه ويقولون : لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه . قال : بالتصفير والتخليط في المنطق على رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) إذا قرأ القرآن ، قريش تفعله « 1 » . الطفيل بن عمرو الدوسي : وكان الطفيل بن عمرو الدوسي شاعرا لبيبا من أشراف العرب ، كان قد قدم مكّة ورسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) بها . فمشى إليه رجال من قريش ، وقالوا له : يا طفيل ، إنّك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهر ناقد أعضل بنا « 2 » وقد فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا ، وإنّما قوله كالسحر يفرّق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وزوجته ، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلّمه ولا تسمعن منه شيئا . وكانت قريش قد تخوّفت من إسلام الطفيل ، الشاعر المفلّق ، وللشعر عند العرب مكانة سامية ، فإذا أسلم اندفعت العرب وراءه . قال الدوسي : فو اللّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلّمه ، حتّى حشوت في اذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا ، فرقا من أن يبلغني شيء من قوله . قال : فغدوت إلى المسجد وإذا رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) قائم يصلّي عند الكعبة ، فقمت قريبا منه ، فأبي اللّه إلّا أن يسمعني بعض قوله : فسمعت كلاما حسنا ، فقلت في نفسي : واثكل أمي ، واللّه إنّي لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته .
--> ( 1 ) الدر المنثور للسيوطي : ج 5 ص 362 - 363 . ( 2 ) أي أوجد معضلة فينا ، والمعضلة هي المشكلة .